بينما يجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في إسطنبول هذا الأسبوع، تنعقد المحادثات وسط خلفية سياسية لافتة؛ إذ وقعت ثلاث دول من أصل أربع، شكّلت معًا الآلية الرباعية، اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة قبل ثلاثة أسابيع، في حين بقيت مصر خارجه. وتكتب سمر الجمل هذا التقرير للمنصة حول دلالات الاجتماع وحدود الموقف المصري.


وبحسب دبلوماسي مصري مطلع على التحضيرات تحدث إلى المنصة، سيناقش الاجتماع المرتقب للآلية التشاورية الرباعية المعروفة باسم «R-4» سبل تطويرها وإضفاء طابع مؤسسي أكبر عليها، بما في ذلك إنشاء أمانة عامة ووضع هيكل عمل أكثر انتظامًا، إلى جانب بحث الأوضاع الإقليمية.

 

وسيشكل الاجتماع السادس للآلية منذ تأسيسها في مارس الماضي، بعيدًا عن جدول أعماله المعلن، أول اختبار حقيقي للعلاقات بين الدول الأربع بعد توقيع اتفاق الدفاع الثلاثي. وتشير الإشارات الصادرة عن العواصم الأربع إلى رغبة في إبقاء الخلاف بشأن الاتفاق ضمن حدوده، والحيلولة دون تحوله إلى نزاع يطغى على العلاقات الأوسع بينها.


ولعل إحدى أولى الإشارات إلى كيفية إدارة هذا التباين ظهرت في صورة نشرها الحساب الرسمي لوزارة الخارجية المصرية عقب لقاء مصري تركي، جرى بعد أيام من توقيع اتفاق مكة. وظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى جانب نظيريه السعودي والتركي فيصل بن فرحان وهاكان فيدان، وهم يرتدون ملابس بيضاء في أجواء غير رسمية، ويجلسون حول طاولة في أحد مطاعم العلمين بالساحل الشمالي.


وفي اليوم نفسه، أجرى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار اتصالًا بنظيره المصري، وتبادل الوزيران «وجهات النظر بشأن سبل تعزيز التعاون في مجالي الأمن والدفاع»، وسط تصاعد التكهنات بشأن موقف السعودية من مشاركة مصر في التحالف العسكري.


لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كانت القاهرة قد استُبعدت من الاتفاق أو اختارت البقاء خارجه، وإنما بما إذا كان غيابها يعكس اختلافًا أعمق في تصورها للتحالفات العسكرية الإقليمية ودوائر التهديد التي تريد الالتزام بالدفاع في مواجهتها.


غياب مصر عن اتفاق مكة.. بين الرواية السعودية والقرار المصري


تحدثت تقارير إعلامية، نقلًا عن مصادر سعودية، عن اعتراض الرياض على مشاركة مصر، في وقت تصاعد فيه الحديث عن احتمال انضمام القاهرة إلى الترتيب الدفاعي الجديد بوصفها العضو الرابع.


وحافظ الموقف المصري الرسمي على قدر من الحذر في التعامل مع اتفاق مكة، فيما تمسكت القاهرة برواية مفادها أن مشاركتها لا تزال قيد دراسة معمقة، وأن الجهات المختصة تبحث جوانب دستورية وقانونية وفنية مرتبطة بالانضمام.


لكن مصادر مصرية عدة أكدت للمنصة أن الانضمام إلى تحالف عسكري من هذا النوع ليس خيارًا مصريًا، وأن القاهرة لا تملك «شهية» لهذا النوع من التحالفات، «على الأقل في الوقت الراهن».


وفي المقابل، قدمت مصادر تحدثت إلى المنصة من عواصم الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق تفسيرات مختلفة للموقف المصري. ورغم عدم تطابق الروايات، فإنها تتفق، بما فيها الرواية المصرية، على أن الاتفاق لم يكن نتاج الأسابيع التي سبقت الإعلان عنه، كما أنه لم يرتبط بصورة مباشرة بالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وإنما خضع لمفاوضات امتدت لفترة أطول.


ووفق الدبلوماسي المصري المطلع على التحضيرات، طُرحت فكرة الاتفاق على مصر قبل نحو عام، بينما أكد دبلوماسي مصري آخر للمنصة أن مناقشات أكثر تفصيلًا بشأن انضمام القاهرة استمرت نحو ستة أشهر قبل الإعلان عن الاتفاق. أما المصادر السعودية فتحدثت عن مفاوضات استمرت أكثر من عامين بين الدول المعنية.


ويقول فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة عرب نيوز السعودية، إن الاتفاق جاء في سياق مستوى التكامل العسكري القائم بالفعل بين الدول الثلاث. وأوضح للمنصة أن التوصل إلى اتفاق مع باكستان كان «أسهل وأسرع»، بالنظر إلى تاريخ العلاقات والتعاون العسكري السابق بين الرياض وإسلام آباد، بينما تطور التعاون مع تركيا «بعمق ووضوح وبسرعة كبيرة» خلال السنوات الأخيرة.


ويرى عباس أن هذا التاريخ من التعاون يمثل مفتاحًا لفهم الاتفاق الثلاثي، مشيرًا إلى أن مصر «بالتأكيد دولة مهمة»، لكن الاتفاق، وفق تقييمه، يحتاج إلى ما هو أبعد من العلاقات السياسية الوثيقة.


وقال عباس إن «الانضمام إلى الاتفاق يتطلب الوصول إلى مستوى معين من التعاون»، لافتًا إلى أن الدول الثلاث تمتلك «شراكات وتصنيعًا مشتركًا، وليس مجرد تعهد أو نية للدفاع المتبادل».


وينص اتفاق مكة على تضامن عسكري فوري واستجابة مشتركة لأي تهديد أمني يمس سيادة إحدى الدول الأعضاء، انطلاقًا من مبدأ أن الاعتداء على دولة واحدة هو اعتداء على الجميع. كما يضع الاتفاق إطارًا ملزمًا للتصنيع العسكري المشترك ونقل تكنولوجيا الدفاع وتطوير الأنظمة الدفاعية، إلى جانب تكثيف التنسيق الاستخباراتي والتعاون في مكافحة الإرهاب.


وتتحرك العلاقات العسكرية بين الدول الثلاث بالفعل نحو التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا، بدلًا من الاكتفاء بشراء المعدات. ويشمل التعاون السعودي التركي نقل التكنولوجيا وإنتاج أنظمة مثل الطائرات المسيّرة والمروحيات والأنظمة البرية، بينما يستفيد التعاون السعودي الباكستاني، في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل الموقعة العام الماضي، من الخبرات الباكستانية في الصناعات الدفاعية والطيران والتدريب.


هل غياب مصر سببه نقص الشراكات العسكرية؟


تصطدم الرواية التي تربط الاتفاق الثلاثي بتطور التعاون العسكري بحقيقة أن مصر نفسها طورت علاقات عسكرية متقدمة مع كل دولة من الدول الثلاث.

ومع باكستان، أجرت القوات الخاصة في البلدين تدريبات على مكافحة الإرهاب ورفع الجاهزية القتالية، من بينها مناورة «رعد-2» في أبريل الماضي، بينما يستمر الحوار بشأن التصنيع العسكري المشترك ونقل التكنولوجيا.

وخلال لقاء جمعه برئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير في أكتوبر الماضي، أكد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي حرص مصر على مواصلة «تعزيز التعاون الثنائي مع باكستان والارتقاء به في مختلف المجالات». كما بحث السيسي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الباكستانية في يوليو الماضي «سبل دعم وتعزيز التعاون المشترك في المجالين العسكري والأمني وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب».

ويجعل هذا التعاون العسكري الثنائي بين مصر وكل دولة من الدول الثلاث من الصعب اختزال غياب القاهرة في مجرد افتقارها إلى «شراكات عسكرية».

ومع أنقرة، وسعت القاهرة تعاونها الدفاعي بصورة ملحوظة منذ استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 2023. واستأنف الجانبان سلسلة مناورات «بحر الصداقة» البحرية، كما أطلقا شراكات في مجال التصنيع الدفاعي، ولا سيما الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى والذخائر بعيدة المدى. وجاءت زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أول أشرف سالم زاهر إلى أنقرة في يوليو الماضي أحدث محطات هذا التقارب.

أما العلاقات العسكرية المصرية السعودية، فتعود إلى عقود مضت، وشملت مناورات عسكرية مشتركة واتفاقات بشأن التعاون الدفاعي والأمن البحري، من بينها مناورات «رعد الشمال» وإعلان القاهرة عام 2015، الذي دعا إلى تطوير التعاون العسكري والعمل نحو تشكيل قوة عربية مشتركة، فضلًا عن اتفاق التعاون في مجال الأمن البحري الموقع في سبتمبر الماضي.

ورغم توقيع مذكرة تفاهم دفاعية بين البلدين في 2023، فإن ما أُعلن عنها حتى الآن لم يتحول إلى برنامج تفصيلي لإنتاج منظومة أسلحة محددة.

ويجعل هذا السجل الواسع من التعاون العسكري الثنائي بين مصر وكل دولة من الدول الثلاث من الصعب تفسير غياب القاهرة باعتباره نتيجة مجردة لافتقارها إلى «الشراكات العسكرية».

وتقدم المصادر التركية بدورها صورة مختلفة عن الرواية التي تربط عدم انضمام مصر باعتراض سعودي. فبحسب دبلوماسي تركي مطلع على المناقشات تحدث إلى المنصة، لم يكن هناك «رفض قوي» أو «اعتراض سعودي حاسم» على انضمام مصر، مؤكدًا أن تركيا كانت حريصة على مشاركة القاهرة «منذ البداية»، ومستشهدًا بزيارات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مصر بوصفها إحدى الإشارات إلى هذا التوجه.

ويقر الدبلوماسي التركي بأن العلاقات السعودية المصرية تشهد أحيانًا درجة من «المنافسة الودية على القيادة الإقليمية».

ولطالما تنافست القاهرة والرياض على النفوذ والقيادة الإقليمية، وظهر ذلك في مراحل متعددة من تاريخ المنطقة، لكنه تزامن كذلك مع فترات طويلة من التعاون السياسي والعسكري. ولذلك يؤكد الدبلوماسي التركي للمنصة أن هذه المنافسة لم تتحول إلى اعتراض سعودي على مشاركة مصر في الاتفاق.

ويشير مصدر عسكري تركي، لدى حديثه عن رغبة أنقرة في إنشاء آلية أكثر وضوحًا لتقديم الدعم العسكري للسعودية بموجب الاتفاق الثلاثي، إلى «مداولات جارية بشأن مسائل فنية» طرحتها القاهرة بوصفها مرشحًا محتملًا للانضمام مستقبلًا.

ويقدم مصدر باكستاني قريب من دوائر دبلوماسية في إسلام آباد رواية مشابهة، مؤكدًا للمنصة أن «التحالف بطبيعته مفتوح أمام دول أخرى»، بينما تتفق مصادر باكستانية على أن التعاون الأمني والعسكري السعودي الباكستاني شكل النواة التي انبثق منها الترتيب الجديد.


خريطة تهديدات مختلفة.. ولماذا تتمسك القاهرة بـ«التوازن الاستراتيجي»؟


يبدو أن القاهرة، التي بذلت جهودًا لصياغة رؤية خاصة للترتيبات الأمنية الإقليمية، وفي مقدمتها الدعوة إلى تشكيل قوة عربية مشتركة، والتي شقت لنفسها مكانًا داخل الآلية الرباعية التي بدأت أصلًا بتنسيق سعودي تركي باكستاني ثلاثي، تفضل الفصل بين المسارين السياسي والعسكري.


وتؤكد مصادر مصرية هذا التصور، مشددة على أن «الترتيبات الأمنية الإقليمية لا ينبغي النظر إليها من منظور عسكري فقط».


ويقول الدبلوماسي المصري الأول إن «من غير الدقيق النظر إلى الأمر باعتبار أننا هُمشنا أو استُبعدنا. نحن جزء من الرباعي، وعدم انضمامنا إلى المكون العسكري أو إطار الدفاع المشترك لا يعني أن التعاون متوقف، بما في ذلك التعاون العسكري الثنائي، كما أنه لا يغلق الباب أمام فرص التعاون الثنائي مستقبلًا».


وتفسر مصادر في القاهرة غياب مصر كذلك باختلاف قراءتها لخريطة التهديدات عن قراءة الدول الثلاث الأخرى. فالسعودية تنظر تقليديًا إلى الشرق، وتعتبر إيران واحدة من أبرز مصادر التهديد، رغم التحولات التي طرأت مؤخرًا على حساباتها الإقليمية، ولا سيما مع تصاعد المخاوف بشأن إسرائيل عقب الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو تحول انعكس في ابتعاد الرياض عن إطار «اتفاقات أبراهام».


أما مصر، فعلى الرغم من أنها تنظر هي الأخرى إلى الشرق، فإنها ترى تهديدًا مختلفًا؛ إذ تحتل إسرائيل موقعًا مركزيًا في حساباتها الاستراتيجية، وليس إيران.


ويعبر اللواء أركان حرب نصر سالم، الرئيس السابق لهيئة الاستطلاع بالقوات المسلحة، عن هذا التصور في حديثه إلى المنصة قائلًا: «صاغت الدول الثلاث الاتفاق بما يتناسب مع دوائر التهديد أو الدوائر الأمنية الخاصة بها، وقد لا تتطابق هذه الدوائر مع دوائرنا هنا في مصر. وخلصت القيادة إلى أن دوائر دفاعنا وأمننا القومي قد لا تتوافق مع دوائرهم في هذا التوقيت».


وتفضل مصر كذلك الإبقاء على اتفاقية الدفاع العربي المشترك، الموقعة قبل 75 عامًا، بوصفها المظلة الأوسع لمثل هذه الترتيبات، وهي فكرة أعادت القاهرة طرحها في سياقات مختلفة منذ عام 2015 بالتوازي مع مقترح تشكيل قوة عربية مشتركة، بدلًا من الدخول في ترتيب دفاعي يضم قوى غير عربية.


وفي مارس الماضي، شارك وزير الخارجية المصري في اجتماع افتراضي مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، ودعا خلاله إلى تشكيل «قوة عربية مشتركة قادرة على التعامل بفاعلية مع التهديدات القائمة». وفي الوقت نفسه، أعلن «الرفض الكامل لفرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من دول إقليمية غير عربية أو من أطراف من خارج المنطقة»، وفق البيان الرسمي الصادر آنذاك.

ويرتبط هذا التصور برغبة القاهرة في تجنب الالتزامات التي قد تجبرها على الانحياز إلى طرف في صراعات لا تريد أن تصبح جزءًا منها. فربط مصر عسكريًا بدول لديها نزاعات إقليمية قائمة، مثل التوتر بين باكستان والهند، أو تركيا واليونان، أو السعودية والإمارات وإيران، قد يضع القاهرة أمام خيارات لا تتوافق بالضرورة مع مصالحها.


«التوازن الاستراتيجي».. مساحة المناورة المصرية


يرتبط ذلك بفلسفة أوسع في السياسة الخارجية المصرية تسميها القاهرة «التوازن الاستراتيجي»، وتسعى من خلالها إلى الحفاظ على هامش مناورة يسمح لها بالتعامل مع أطراف متعارضة دون الارتباط بتحالف كامل مع أي منها، إلا إذا اقتضت مصالحها الأمنية ذلك.


كما يرتبط الأمر بقدرة مصر الحالية على تحمل تكلفة الاصطفافات، إذ يربط دبلوماسي مصري آخر هذه السياسة بالضغوط الاقتصادية واعتماد البلاد على قدر كبير من الدعم والتدفقات المالية الخارجية.


وقال الدبلوماسي: «كانت هناك فترة، لنقل من 2015 إلى 2019، كان وضعنا الاقتصادي خلالها أفضل مما هو عليه الآن، وكانت لدينا سياسة خارجية أقوى وقدرة على فرض بعض الأمور. أما الآن، فالأمر يتعلق أكثر بالتكيف مع الوضع والوقوف، إلى حد ما، على مسافة متساوية من جميع الأطراف».


وبهذا المعنى، فإن بقاء مصر خارج اتفاق مكة لا يعكس بالضرورة تراجع التعاون العسكري المصري مع أطرافه، كما أنه لا يثبت وحده أن القاهرة استُبعدت من ترتيب كانت ترغب في الانضمام إليه. بل تشير الرواية المصرية إلى خيار مختلف يتمثل في الحفاظ على تعاون عسكري ثنائي واسع مع الدول الثلاث، والمشاركة سياسيًا في إطار «R-4»، من دون الانتقال في الوقت الحالي إلى التزام دفاعي جماعي قد يقيد هامش المناورة المصري.


وبحسب مصادر دبلوماسية، لن يطرح اتفاق مكة على جدول أعمال اجتماع إسطنبول، لكنه سيظل حاضرًا في خلفية النقاشات. ولا يتعلق السؤال الأهم أمام الاجتماع بإعادة فتح موقف مصر من الاتفاق، وإنما بقدرة الدول الأربع على بناء إطار سياسي أكثر مؤسسية، من دون أن تتحول الحدود الجديدة للتعاون العسكري إلى حدود للعلاقة نفسها.

 

https://almanassa.com/en/stories/33629